قال هلال لضيفه منذر الثوري: (ألا أمضي بك يا منذر إلى الشيخ، لعلَّنا نؤمن ساعة؟)

قال منذر: بلى، فو الله ما أقْدَمَني الكوفة إلا الرَّغبة في لقاء شيْخِك الرَّبيع بن خُثَيْم، والحنين في العَيْش ساعة في رِحاب إيمانه

ولكن هل اسْتأذنْت لنا عليه؟ فقد قيل لي: إنَّهُ منذ أُصيب بالفالج لزِمَ بيتهُ، وانْصرفَ إلى ربّه، وعزفَ عن لقاء الناس .

قال هلال: إنّه لكذلك منذ عرفَتْهُ الكوفة، لم يُغيِّر منه المرض شيئًا

قال له: لا بأس، ولكِنَّك تعلم أنَّ لِهَؤلاء الأشياخ أمْزِجَةً رقيقة، فهَلْ ترى أن نُبادِر الشَّيْخ فنسْألهُ عمَّا نريد, أم نلْتزمُ الصَّمْت فنَسْمعُ منه ما يريد؟

فقال هلال: لكنَّ هذا الشيخ لو جلسْتَ معه عامًا بأكملهِ, فإنَّه لا يُكلِّمك إذا لم تكلِّمْه

مرَّةً مصباح كهربائي علَّمني درسًا لا أنساه، هذا المصباح يُشْحن بالكهرباء، لمَّا أنسى شحنه، وأضطرّ لاستعماله أجد الضوء خافتًا، ومرَّةً نسيتهُ في الشَّحن يومين دون أن أنتبه، فلمَّا استعملتهُ كان كالشَّمس, وهكذا المؤمـن، كلَّمـا اعتنى بِشَحْنِهِ كلَّما تألَّق، وكلّما أهْمل شَحْنهُ عن طريق الذِّكر والعبادة وتلاوة القرآن كلَّما خَفَتَ ضوءُه

قال: (ثمَّ مضيَا إلى الشيخ، فلمَّا صارا عنده سلَّمَا، وقالا: كيف أصْبحَ الشيخ؟

قال: أصبح ضَعيفًا مذْنبًا، يأكل رزقهُ، وينتظر أجله، فقال هلال: لقد نزل بالكوفة طبيبٌ حاذق، أفتأذن بأَن أدْعُوَهُ إليك؟

فقال: يا هلال، إنِّي لأعلم أنَّ الدواء حق، تداوَوْا عباد الله ، -وكل إنسان يدع الدواء يقع في المعصِيَة

قال يا هلال: إنِّي لأعلم أنَّ الدواء حقّ، ولكنِّي تأمَّلتُ عادًا وثمود وأصحاب الرسّ وقرونًا بين ذلك كثيرًا، ورأيت حرصهم على الدنيا، ورغبتهم في متاعها، وقد كانوا أشدَّ منَّا بأْسًا، وأعظمَ قدرةً، وقد كان فيهم أطبَّاء ومرضى، فلا بقِيَ المُداوي ولا المُدَاوَى، ثمَّ تنهَّدَ تنْهيدةً عميقةً، وقال: ولو كان هذا هو الداء لتداوَيْنا منه، فاسْتأذن منذر، وقال: فما الداء إذًا يا سيّدي الشيخ؟

قال: الداء الذنوب، قال منذر: وما الدواء؟ قال: الاستغفار، قال منذر: وكيف يكون الشفاء؟ قال: بأن تتوب، ثمّ لا تعود, -وهذا كلامٌ واضح كالشمس .

قال: ثمَّ حدَّق فينا، وقال: السرائر السرائر, عليكم بالسرائر التي تخفى على الناس، وهنّ على الله تعالى بَوادٍ

كلّ واحد له سرّ، وله قلب، فقد نتشابه، كلّنا في مسجدٍ واحد، وكلّنا يصلِّي، وكلّنا يدفعُ زكاة ماله، وكلّنا يحجّ، ولكنّ هذه السرائر تتفاوُتُ فيما بينها، فالإخلاصَ الإخلاصَ، وعليكم بالسرائر التي تخفى على الناس، وهنّ على الله تعالى بَوادٍ، أي ظاهرة- الْتَمِسوا دواءهنّ، فقال منذر: وما دواؤهنّ؟ الشيخ: التوبة النصوح، ثمَّ بكى حتى بلَّلَتْ دُموعه لِحْيتهُ) وهذا هو الإخلاص، وفي الحديث:

((ركعتان من رجل ورع أفضل من ألف ركعة من مخلط))

ثمّ قال له منذر: (أَتبكي وأنت أنت؟ قال: هيهات لِمَ لا أبكي؟ وقد أدْركتُ قومًا نحن في جنبهم لُصوص

قال: (وإذْ نحن كذلك, دخل علينا ابن الشيخ فحَيَّانا, وقال: يا أبتِ, إنَّ أمِّي قد صنَعَت لك خبيصًا وجوَّدَتهُ، -نوعٌ من الحلْوَة- وإنَّه ليَجْبر قلبها أن تأكل منه، فهل آتيك به؟ فقال: هاتِهِ ، فلمَّا خرج لِيُحضرهُ, طرق سائلٌ, فقال: أدْخلوه، ولمَّا صار بِصَحن الدار: نظرتُ إليه، فإذا هو رجل كهْلٌ, مُمَزَّق الثِّياب، قد سال لُعابهُ على ذقنه، وبدا من ملامح وجهه أنَّه معتوه، فما كِدْتُ أرفعُ بصري عنه, حتى أقبل ابن الشيخ, ومعه الخبيص، فأشار إليه أبوه أن ضَعها بين يدي السائل، فوضَعَه بين يديه، فأقبل عليها الرجل، وجعل يلتهم ما فيها الْتِهامًا، ولعابهُ يسيل فوقها، فما زال يأكل حتى أتى على ما في الصَّحفة كلّها، فقال له ابنه: رحمك الله يا أبي، لقد تكلَّفَت أُمِّي، وصنعت لك هذا الخبيص، فأطْعمْتَهُ هذا الرجل الذي لا يدري ما أكل، اسمعوا الجواب .
قال له: يا بنيّ، إذا كان هو لا يدري ما أكل, فإنّ الله يدري ماذا أكل؟

ثمَّ تلا قوله تعالى:
﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾[size=16][آل عمران:92]


قال: (ثمَّ إنِّي رأيتُ وقتَ الظهر قد اقترب، فقلتُ للشيخ: أوْصِني؟

قال: لا يَغُرَّنَك يا هلال كثرةُ ثناء الناس عليك، فإنَّ الناس لا يعلمون منك إلا ظاهرك، واعْلم أنَّك صائرٌ إلى عملك، وأنَّ كلّ عملٍ لا يُبْتغى به وجْهُ الله يضْمحِلّ،

فقال المنذر: وأوْصني أنا أيضًا جُزيت خيرًا؟

قال: يا منذر, اتَّق الله فيما علمْت، وما اسْتأثر عليك بعلمه, فَكِلْهُ إلى عالمه، لا تقل فيما لا تعلم يا منذر، لا يقل أحدكم: اللهمّ إني أتوب إليك، ثمّ لا يتوب، ثمّ تكون كِذْبة، ولكن قلْ: اللهمّ تُب عليّ، فيكون دُعاءً، فاجْعل التوبة دعاءً, ولا تجعلها خبرًا، واعْلم يا منذر, أنَّه لا خَير في كلامٍ إلا في تهليل الله، أي التوحيد، وتحميد الله، وتسبيح الله، وسؤالك من الخير، وتعوُّذك من الشرّ، وأمرِكَ بالمعروف، ونَهْيِكَ عن المنكر, وقراءة القرآن .

ثمّ الْتفتَ إلينا جميعًا، وقال: أكْثروا من ذِكْر الموت، فهو غائبكم المُرتقب، وإنّ الغائب إذا طالتْ غَيبَتُه أوْشكَتْ أوْبَتُه, ثمَّ اسْتعْبَر, أيْ بكى، وقـال: ماذا نصْنعُ غدًا إذا دُكَّت الأرض دكًّا دكًّا، وجاء ربّك والملك صفًّا صفًّا، وجيء يومئذٍ بِجَهَنَّم؟ قال هلال: وما كاد الربيع أن ينتهي من كلامه حتى أُذِّن للظُّهر، فأقْبل إلى ابنه، وقال: هيَّا نُجِبْ داعيَ الله, فقال ابنهُ: أعينوني على حَمْلهِ إلى المسجد جُزيتُم خيرًا؟
فرفعناهُ ووضعَ يمناهُ على كتف ابنه، ويُسْراه على كتفي، وجعل يتهادى بيننا، فقال المنذر: يا أبا يزيد, لقد رخَّص الله لك، فلو صلَّيْت في بيتك, فقال: إنَّه كما تقول: ولكنَّني سمعتُ المنادي ينادي: حيّ على الفلاح، فمَن سَمِع منكم المنادي ينادي إلى الفلاح, فلْيُجِبْهُ ولو حَبْوًا) قال عليه الصلاة والسلام:

((لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا))
[/size]