من فقه حديث
"إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب"(1)



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين , وبعد :
فقد أحببت أن أقدم لإخواني _بشيء من الإيجاز_بعض الأحكام المتعلقة بفقه هذا الحديث الجليل, فأقول:

أولا : الحديث فيه إثبات صفتين من صفات الرب تبارك وتعالى .

الأولى: هي صفة المحبة لله تعالى , وأهل السنة والجماعة يثبتون هذه الصفة كما يليق به سبحانه وتعالى , ودليل إثباتها من القرآن قوله تعالى : {وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [البقرة: 195]. وقوله تعالى أيضا :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ }[ المائدة:54] والآيات في إثبات هذه الصفة كثيرة جدا .

والثانية: هي صفة الكره , والسلف الصالح يثبتون هذه الصفة , على ما يليق به تبارك وتعالى من غير تشبيه. ودليل إثبات هذه الصفة من القرآن قوله :{كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ } [التوبة46].
فإذا تقرر هذا , وجب على كل مسلم أن يعلم الأمور التي يحبها الله ليمتثلها , والأمور التي يكرهها الله ليجتنبها , فيجتهد في معرفة الطاعات والمأمورات, ويسعى في تحقيقها؛ لأنها محبوبة لله تعالى , ويجتهد في معرفة المنهيات والمحظورات ويحذرها؛ لأنها مبغوضة لله تعالى.
وهذا فرض على الأعيان _بالنسبة للأمور الواجبة_كما قال تعالى {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ}[محمد:19]
وقال النبي صلى الله عليه وسلم :"طلب العلم فريضة على كل مسلم". وقال :"ما نهيتكم عنه فاجتنبوه, وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم".
وبهذا يظهر أثر العقيدة على السلوك , فكلما قويت عقيدة المسلم , كان بالله أعرف وكان له أتقى وأطوع .

وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن الله تعالى يحب العطاس ويكره التثاؤب , فإذا حصل للإنسان عطاس فلا يرده, لأنه محبوب لله , وإذا شعر بالتثاؤب فعليه أن يرده لأنه مكروه له.
وقد نجد بعض الناس _ممن ضعفت عقيدته وعلمه_ إذا جاءه العطاس رده , جهلا منه وظنا أن العطاس يُعد من الأمور المشؤومة أو من الهيآت التي يُستحيى منها, وإذا جاءه التثاؤب أطلق له العنان ولم يقاومه, وهذا كله لجهله بمحبوبات الله ومكروهاته .
وقد كان الناس في الجاهلية يتشاءمون من العطاس , فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه محبوب لله ليبطل هذا الاعتقاد السيء.

يقول ابن القيم في مفتاح دار السعادة (2/263):" فإنما أُمر العاطس بالتحميد عن العطاس لأن الجاهلية كانوا يعتقدون فيه أنه داء, ويكره أحدهم أن يعطس, ويود أنه لم يصدر منه؛ لما في ذلك من الشؤم, وكان العاطس يحبس نفسه عن العطاس ويمتنع من ذلك جهده من سوء اعتقاد جهالهم فيه, ولذلك والله أعلم بنوا لفظه على بناء الأدواء كالزكام والسعال والدوار والسهام وغيرها…إلى أن قال : والمقصود أن التطير من العطاس من فعل الجاهلية الذي أبطله الإسلام وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يحب العطاس".

ثانيا: بيان الحكمة من هذا الحديث:

قال ابن الأثير في النهاية (3/502) :"إنما أحَبَّ العُطاس لأنه إنما يكون مع خِفَّة البدَن وانْفِتَاحِ المَسامِّ وتَيْسير الحَرَكات , والتَّثاؤُبُ خلافِه . وسببُ هذه الأوصاف تخفيفُ الغِذاء والإقْلالُ من الطعام والشَّراب".

ويقول الخطابي : " معنى حب العطاس وكراهة التثاؤب: أن العطاس إنما يكون مع انفتاح المسام وخفة البدن وتيسير الحركات، وسبب هذه الأمور تخفيف الغذاء والإقلال من الطعام، والتثاؤب إنما يكون مع ثقل البدن وامتلائه ، وعند استرخائه للنوم وميله للكسل ، فصار العطاس محموداً لأنه يعين على الطاعات، والتثاؤب مذموماً لأنه يثبط عن الخيرات وقضاء الواجبات " .انظر فتح الباري (10/607).

وقال القاضي عياض: التثاؤب بالهمز: التنفس الذي يفتح عنه الفم, وهو إنما ينشأ من الامتلاء وثقل النفس وكدورة الحواس, ويورث الغفلة والكسل وسوء الفهم, ولذا كرهه الله وأحبه الشيطان وضحك منه" تحفة الأحوذي (8/16).


ثالثا : الآداب المتعلقة بالعطاس :

أولا : إذا أتاه العطاس , فلا يرده لأن فيه منفعة للبدن فضلا عن كونه محبوبا لله تعالى.

ثانيا : ويستحب للعاطس أن لا يبالغ في إخراج العطاس ولا يرفع صوته, بل يخفضه ويخمر وجهه إن أمكن. فعن أبي هريرة قال:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فيه وخفض أو غض بها صوته".أخرجه أبو داود(5029) وصححه الألباني

ثالثا : حمد الله على العطاس : فإذا عطس المسلم فعليه أن يحمد الله تعالى , لقول النبي صلى الله عليه وسلم« إذا عطس أحدكم فليقل : الحمد لله …» . رواه البخاري ، قال ابن القيم في زاد المعاد (2/400):" ولما كان العاطس قد حصل له بالعطاس نعمة ومنفعة بخروج الأبخرة المحتقنة في دماغه التي لو بقيت فيه أحدثت له أدواء عسرة, شرع له حمد الله على هذه النعمة مع بقاء أعضائه على التئامها وهيئتها بعد هذه الزلزلة التي هي للبدن كزلزلة الأرض لها".
وهل تحميده لله على الوجوب ؟ ظاهر الأدلة أنها لا تدل على الوجوب , إلا أنه لا يليق بالمسلم أن يدع التحميد. ويغفل عن هذه النعمة التي يحبها الله والتي بها صحة البدن, ثم إنه يكون قد خالف حديث النبي صلى الله عليه وسلم الحاث على التحميد, ويحرم نفسه مِن دعاء مَن يشمته .

رابعا : بيان بعض صيغ الحمد التي وردت فمنها قوله :

_ "الحمد لله" لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله " .

_ و"الحمد لله على كل حال" لقول النبي صلى الله عليه وسلم :" إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله على كل حال ". أخرجه أبو داود (5033) وصححه الألباني .

خامسا : تشميت العاطس :

إذا عطس الرجل فحمد الله يشرع لمن يسمعه أن يشمته , بأن يقول له : يرحمك الله , ويرد عليه العاطس بقوله يهديكم الله ويصلح بالكم , لقول النبي صلى الله عليه وسلم :" إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله وليقل له أخوه - أو صاحبه - : يرحمك الله ، فإذا قال له : يرحمك الله فليقل : يهديكم الله ويصلح بالكم " . رواه البخاري ( 6224 ) .

وهنا عدة وقفات :

الوقفة الأولى : هل تشميت العاطس واجب أم مستحب ؟
الذي يظهر من نصوص الأحاديث أن من سمع التحميد فيجب عليه التشميت, للأدلة التالية:
قول النبي صلى الله عليه وسلم:"فإذا عطس فحمد الله فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته"
وقوله صلى الله عليه وسلم :" إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه "رواه مسلم (2992).
وقوله صلى الله عليه وسلم :" حق المسلم على المسلم ست قيل ما هن ؟ يا رسول الله قال إذا لقيته فسلم عليه, وإذا دعاك فأجبه, وإذا استنصحك فانصح له, وإذا عطس فحمد الله فشمته, وإذا مرض فعده, وإذا مات فاتبعه". رواه مسلم (2162).
وهذه الأدلة كلها تدل على وجوب تشميت العاطس, وهو واجب على كل أحد ولا يجزئ تشميت الواحد عن الجماعة.
يقول ابن القيم في زاد المعاد (2/399) :" إن التشميت فرض عين على كل من سمع العاطس يحمد الله, ولا يجزئ تشميت الواحد عنهم وهذا أحد قولي العلماء, واختاره ابن أبي زيد وأبو بكر بن العربي المالكيان ولا دافع له ".

الوقفة الثانية : إذا نسي العاطس التحميد هل يُذكر أم لا ؟
الصحيح: أن العاطس إذا نسي التحميد فإنه لا يُذكر وهذه هي السنة , لقول النبي صلى الله عليه وسلم : "إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه ، فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه " رواه مسلم ( 2992 ). فلم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: فإن لم يحمد الله فذكروه .
فلما نسي العاطس أن يحمد الله على هذه النعمة , استُحِق أن يُنسى فلا يُذكّر , فقد روى البخاري في الأدب المفرد (932) عن أبي هريرة قال: جلس رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم أحدهما أشرف من الآخر, فعطس الشريف منهما فلم يحمد الله ولم يشمته, وعطس الآخر فحمد الله فشمته النبي صلى الله عليه وسلم, فقال الشريف عطست عندك فلم تشمتني وعطس هذا الآخر فشمته, فقال: " إن هذا ذكر الله فذكرته وأنت نسيت الله فنسيتك". وحسنه الألباني ، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يُذكِّر الذي لم يحمد الله, فعلم من هذا أن السنة عدم التذكير .
وهو أيضا ما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم . فعن أبي بردة قال :" : دخلتُ على أبي موسى وهو في بيت بنت الفضل بن العباس, فعطستُ فلم يشمتني وعطستْ فشمتها, فرجعت إلى أمي, فأخبرتها فلما جاءها, قالت عطس عندك ابني فلم تشمته وعطستْ فشمتها, فقال إن ابنك عطس فلم يحمد الله فلم أشمته, وعطستْ فحمِدَت الله فشمتها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه, فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه". رواه مسلم (2992).
فأبو موسى الأشعري رضي الله عنه لما عطس ولده أبو بردة ولم يحمد الله لم يذكره , فلو كانت السنة التذكير لبادر إليها أبو موسى رضي الله عنه.
إلا أنه يمكنك أن تعلمه فيما بعد وتقول له: إن الإنسان إذا عطس فإنه يحمد الله ؛ لأن العطاس من الله, والله يحبه , وفيه راحة ومنفعة للبدن .

الوقفة الثالثة : إذا تكرر منه العطاس كيف يشمت؟
اعلم أن التشميت مقيد بثلاث , فما زاد فهو زكام. كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" شمت أخاك ثلاثا فما زاد فهو زكام ".رواه أبو داود (5034) وحسنه الألباني . فإذا عطس الرابعة فقل : عافاك الله ، إنك مزكوم ، وتدعو له بالعافية.
فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم عطس رجل عنده فقال له: يرحمك الله, ثم عطس أخرى, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: الرجل مزكوم ". رواه مسلم (2993).
قال ابن القيم في زاد المعاد (2/403):" وقوله في هذا الحديث :"الرجل مزكوم" تنبيه على الدعاء له بالعافية؛ لأن الزكمة علة وفيه اعتذار من ترك تشميته بعد الثلاث وفيه تنبيه له على هذه العلة ليتداركها ولا يهملها فيصعُبَ أمرُها فكلامه صلى الله عليه و سلم كله حكمة ورحمة وعلم وهدى ".

الوقفة الرابعة : هل تشمت المرأة ؟
إذا كانت المرأة من المحارم, فلا خلاف أنها تشمت على ما سبق تفصيله .
أما إذا لم تكن من المحارم , فهنا ينظر: إن كانت شابة يخشى الافتتان بها فإنه يكره تشميتها. أما إن كانت عجوزا لا تتوق إليها النفوس فلا بأس في ذلك , والله أعلم .

الوقفة الخامسة : كيف يشمت العاطس من أهل الكتاب ؟
أهل الكتاب إذا عطس الواحد منهم فحمد الله فإنه يشمت, ويقال له يهديكم الله ويصلح بالكم, ولا يقال لهم يرحكم الله , لأن الرحمة لا تكون إلا للمؤمنين .
فقد أخرج أبو داود في السنن (4999) , والترمذي (2739) عن أبي موسى رضي الله عنه قال : كان اليهود تعاطس عند النبي صلى الله عليه وسلم رجاء أن يقول لهم يرحمكم الله, فكان يقول:" يهديكم الله ويصلح بالكم". وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . وانظر أيضا تصحيح الألباني له في إرواء الغليل (5/119).
قال العظيم آبادي في عون المعبود (13/257) : أي ولا يقول لهم : يرحمكم الله, لأن الرحمة مختصة بالمؤمنين, بل يدعو لهم بما يصلح بالهم من الهداية والتوفيق للإيمان".

رابعا: الآداب المتعلقة بالتثاؤب :

التثاؤب كما تقدم من الشيطان , ويورث الكسل والخمول ويثقل المسلم عن الطاعة , ويضحك منه الشيطان , فكان علينا أن نرده لما يحمله من هذه التأثيرات السيئة, وطريقة رده تكون على ثلاثة حالات .
الأولى : أن يرده الإنسان متى ما شعر به.
الثانية : إذا لم يستطع رده من أول وهلة واستمر فعليه أن يكظم ما استطاع, ولا يفتح فمه.
الثالثة : إذا لم يستطع وملكه التثاؤب فليضع يده على فمه, لأن الشيطان يدخل . ولا يرفع صوته لأن الشيطان يضحك من ذلك . فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( التثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع فإن أحدكم إذا قال: ها، ضحك الشيطان)) رواه البخاري (3289).
وأخرج ابن خزيمة في صحيحه (2/60) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب, فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع, أو ليضع يده على فيه, فإنه إذا تثاءب فقال آه , فإنما هو الشيطان يضحك من جوفه".
وأخرج مسلم في صحيحه (2995) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إذا تثاوب أحدكم فليمسك بيده على فيه فإن الشيطان يدخل".

وننبه هنا على ما يفعله البعض من وضع أطراف أصابعه على فمه عند التثاؤب وهذا لا يكفي ؛ لأنه لا يسد جميع الفم , فيبقى فمه مفتوحا للشيطان, فعليه أن يسده كاملا.
وأيضا نسمع الكثير حال التثاؤب يستعيذ من الشيطان , لأن التثاؤب حاصل بسببه, فيظن أن هذا من السنة وأنه يطرد الشيطان .
فنقول أن التعوذ من الشيطان حال التثاؤب لم تأت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولم يفعله أحد من الصحابة . فلا يجوز أن نبتدع ونزيد على الدين ما ليس منه .
بل علينا أن نتحرى السنة بأن نرد التثاؤب, ولا نزيد على ما ورد .
والله أعلم .
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .