آثار التوحيد وثماره




بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, (يَا أَيُّهَا الّذيِن آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلاَّ وَأَنتُم مُّسْلمُونَ) . (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ منْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ منْهُمَا رِجَالاً كَثيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذيِ تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً). (يَا أَيُّهَا الَذِين آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً, يُصْــلِحْ لَكُــمْ أَعْمَــالَكُمْ وَيَـــغْفِرْ لَــكــُمْ ذُنُــوبَكُمْ وَمَــن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَــدْ فَـازَ فَوْزاً عَظيِمــاً).
أما بعدُ: فمما ينبغي أن يُعلم أن لكل عبادة فرضها الله على خلقه آثاراً وثماراً ظاهرة عليهم, والتوحيد يعتبر من أعظم تلك الفرائض التي أوجبها الله على العباد, فآثاره حميدة, ونتائجه عظيمة, وليس شيء من الأشياء له من الآثار الحسنة والثمار اليانعة والفضائل المتنوعة مثل التوحيد, فإن خير الدنيا والآخرة من ثمرات هذا التوحيد وفضائله. فمن هذه الثمار على سبيل التمثيل لا الحصر:
1- أن التوحيد من أعظم أسباب انشراح الصدر في الدنيا كما قال تعالى: (أَفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبّهِ) وكما قال تعالى: (فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) فالهداية للتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر . فكلما قوي التوحيد وكمل في القلب كان انشراح صدر صاحبه أكمل وأقوى.
2- أن التوحيد من أعظم الأسباب لتكفير الذنوب والسيئات, والدليل على ذلك حديث أنس رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (قال الله تعالى: يابن آدم لو أتيتني بِقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً - أي موحداً – لأتيتك بقرابها مغفرة ) رواه الترمذي وحسنه. وحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأن محمد عبده ورسوله, وان عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها على مريم وروح منه, والجنة حق, والنار حق, أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) رواه البخاري ومسلم. فدل الحديث على أن الله عز وجل يغفر ذنوب العـبـد بسبب توحـيــــده الخــالص, وهل هنــاك ثمــرة في الآخــــرة أعظــم مـــن هــذه الثــمــرة!.
3- أن الموحد المحقق للتوحيد تحقيقاً تاماً كما جاءت به الرسل عليهم السلام, يحصل له الهدى الكامل والأمن التام في الدنيا والآخرة, فهو آمن من عذاب الله, وآمن من الخلود في النار, كما أنه مهتد في الدنيا إلى شرع الله بالعلم والعمل, وكذا هو مهتد في الآخرة إلى جنات عدن, كما قال تعالى: (احْشُرُوا الَّذِين ظَلَمُوا وأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ فَهْدُوهُمْ إِلى صِراَطِ الْجَحِيمِ) . فإذا هُدي الظالمون على صراط الجحيم كان في مقابلتها هداية الذين آمنوا إلى صراط النعيم, ودليل هذه الثمرة العظيمة لتوحيد الله قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مَّهْتَدُونَ) فهل هناك أمن واهتداء أعظم من هذا الأمن والاهتداء!.
4- أن الموحد من أسعد الناس بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم كما روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك لما رأيت من حرصك على الحديث, أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال : لا إله إلا الله. خالصاً من قلبه أو نفسه )
5- أن التوحيد إذا تم وكمل في القلب وتحقق تحقيقاً كاملاً بالإخلاص التام فإنه يُصَيِّرُ القليل مع العمل كثيراً , ويؤجر عليه أجراً كبيراً , كما في قصة الأصرم عمرو بن ثابت الأنصاري الذي قتل في غزوة احد ولم يسجد لله سجدة , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( عمل قليلاً ولكنه أجر كثيراً وإنه من أهل الجنة) رواه مسلم. وفي الصحيحين أنه قال يا رسول الله أقاتل أو أسلم قال: ( أسلم ثم قاتل ) فأسلم ثم قاتل , فقتل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( عمل قليلاً وأجر كثيراً ) رواه البخاري ومسلم .
6- أن التوحيد يحرر العبد من رق المخلوقين والتعلق بهم وخوفهم ورجائهم والعمل لأجلهم, فقلب الموحد معلق بربه خالق السموات والأرض الذي بيده ملكوت كل شيء سبحانه, وهذا هو العز الحقيقي والشرف العالي, متألهاً متعبداً لله لا يرجو سواه ولا يخشى إلا هو ولا ينيب إلا إليه , وبذلك يتم فلاحه ويتحقق نجاحه, ويشهد لهذا الكلام القصة المشهورة عن ربعي بن عامر رضي الله عنه حين قال: لرستم (جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العبا, ونخرجهم من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة).
7- أن التوحيد هو السبب الوحيد لنيل رضا الله ومحبته وثوابه, بخلاف الشرك فهو سببٌ لعقوبة الله وغضبه وأليم عقابه, كما قال تعالى: (لا تَجدُ قَوْماً يُؤمِنُونَ بالله واَلْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشيِرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فيِ قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مّنْهُ وَيُدْخلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) .
8- أن التوحيد إِذا وقع في قلب العبد وتمكن منه فإِنه يُهوَن عليه المكاره والمصائب, ويُخفّف عليه الآلام والأحزان, فبحسب تكميل العبد للتوحيد والإِيمان يتلقى المكاره والآلام, بقلب صابر, ونفس مطمئنة, وتسليم ورضا بأقدار الله المؤلمة, والله أثنى على أهل التوحيد عندما تأتيهم المصائب بقوله تعالى: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَهٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون) .
9- أن الموحدين إِذا نزلت بهم المصائب أو النكبات أو الشدائد والكرب, فإِن الله يجعل لهم من كل هَمّ فرجاً, ومن كل ضيق مخرجاً, ويرزقهم من حيث لم يحتسبوا, كما قال سبحانه: ( وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) وقال: (ومَنَ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ) وكما في قصة الثلاثة الذين أووا إِلى الغار فسقطت عليهم الصخرة, فتوسل كل واحد منهم بعمله الذي أخلصه لله, ووحد الله فيه, ففرَّج عنهم ما هم فيه, فكل واحد منهم قال حين ذكر عمله : (اللهم إِن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة) ففرج الله عنهم ما هم فيه, وجعل لهم مخرجاً من هذه المصيبة التي حلت بهم, فزالت الصخرة عن فم الغار, وخرجوا يمشون .
10- أن عذاب الله وعقوبته ونقمته وغضبه إِذا نزل على قوم في الدنيا فإِنه لا ينجو منه إِلا أهل التوحيد وحزبه وأنصاره. فها هو نبي الله نوح عليه السلام نجاه الله ومن معه في السفينة جميعاً بسبب توحيدهم وإِيمانهم, وأهلك من في الأرض جميعاً لكفرهم وشركهم, كما قال تعالى: (فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفيِنَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ), وكذا نجّى الله نبيه هوداً عليه السلام ومن معه كما في قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذيِنَ آمَنُوا مَعَه ), فهذه النجاة ليست خاصة بأنبياء الله والذين آمنوا معهم في عصورهم فقط, بل هي عامة لكل موحد مؤمن بالله تعالى, كما قال سبحانه : ( ثُمَّ نُنَجّيِ رُسُلَنَا وَالَّذيِنَ آمَنُوا كَذَلِك حَقّاً عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنيِنَ), وكذا في قوله: (وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُون), فهنيئاً لأهل التوحيد والإِيمان بالنجاة والسعادة في الدنيا والآخرة.
11- أن النصر والظفر والتمكين لهذه الأمة الخاتمة مرهون بسلامة معتقدها وتوحيدها لله تعالى وإفراده بالعبادة ونبذ الشرك والبدع, كما قال تعالى: (وَعَدَ اللهُ الَّذيِنَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَات لَيَسْتَخْلفَنَّهُمْ فيِ الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ ديِنَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُم مّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ).
وبعد هذا العرض الموجز لآثار التوحيد وثماره يتبين لنا ضرورة تعلمه وتعليمه ونشره في الناس, خاصة في مثل هذا الزمان الذي اغفل كثير من المسلمين تعليم التوحيد وانشغلوا عنه بزهرة الحياة الدنيا أو قدموا على تعلمه علوماً أخرى فأبعدتهم عن هذا العلم العظيم الذي تتوقف عليه سعادتهم في الدنيا والآخرة . مما أدى إِلى انتشار الشرك وعبادة القبور والطواف بها ودعاء الأموات من دون الله بل ربما ظن بعض الجهلة أن الشرك توحيد وعلموه ظناً منهم أنه دين الله الذي أرسل به رسله وهذا من غربة هذا الدين في هذا الزمان .
لذا فإِني أوصي أحبتي وإخواني بالاستفادة من كتب التوحيد قراءتها وتعلمها وتعليمها. لأنها زبدةٌ دعوة الرسل عليهم السلام. والله أسأل أن ينفع بما كتبت وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .