"

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
[size=48]،

بسم الله الرحمن الرحيم


[size=32]اللّوحة الأولى[/size]

دع الأشياء تبحث عن معانيها، ودعني أبحث عن الأشياء الّتي تعوّد الآخرون على نسيانها. ورقٌ شتائيٌّ أبيض، وخريفٌ يغادر، ورطوبة رداءٍ رثٍّ، وأمكنةٌ حائرةٌ.. حفيف أوراق البتولا، وأغاني حصاد القمح، وأقلامٌ جفّ حبرها، ورائحة غبارٍ… أما زالت السّنديانة هناك كما عهدناها تشفق على الجائعين الّذين يعبرون حارتنا غير مكترثين بدفء جدران أزقّتها الطّينيّة، بل حالمين بوجبةٍ من السّحلب والخبز الطّازج، لعلّها تخفّف عنهم برد الصّباح، وتنسيهم أنّهم قضوا ليلتهم الفائتة من غير عشاءٍ؟ للاغتراب معنىً واحدٌ فقط؛ معنىً تعرفه أربطة حذائي المقطّعة وثيابي المهترئة… رحلت إلى زمنٍ من الحبق، فغرّبتني فيزيائيّة عالمٍ «سيمتريكيٍّ» متجانس الأجزاء…

لست أعرف ما الذي يحملني إلى مسكبة البنفسج في دارنا العتيقة، ولست أعرف لماذا أصبح للياسمين أثرٌ آخر في خاطري، ولست أعرف لماذا أحبّ الحبق، ولماذا أحلم بجارةٍ اسمها «قرنفلة».. لماذا أتوق إلى الدّفء والحبّ ورائحة الكستناء المشويّة.. ولست أعرف لماذا ترتاد مخيّلتي صورة الطّحّان وحماره قبالة باب بيتنا، وصورة الحمّال في سوق المدينة، ومنظر سترته الزّيتيّة البالية الملطّخة بالزّيوت المعدنيّة.. ولست أعرف لماذا يكرهني الثّلج، ويرفضني الفرح، ويتنصّل منّي الارتياح… كم من الوقت والياسمين أحتاج كي أهيّئ وجبةً من الأفكار البريئة! وكم من الخيانة يحتاج الياسمين كي يهيّئ لي وجبةً من الخيبة! هل أدرك أنّي أحاول خلق «لـٰهٍ» لأحبّه؟ «لـٰهٌ» يجمّلني قليلًا، ويبعد عنّي غرابة المكان، ويحنو عليّ فيعيد صياغتي مرّةً أخرى في صورةٍ خاليةٍ من الحلم؟ لا سريرٌ دافئٌ لقلبي، ولا شيءٌ ينهض من حطام أفكاري سوى أفقٍ رديءٍ من الصّلصال. عساني أغفل قليلًا عن قسوتي، فأتمكّن من خداع الوقت والجغرافيا كي أستعيد قدرتي على الأمل الذي قتلته العزلة، وعلى الاعتراف بمكامن وحدتي، وحيرة نبضي الأعزل… لا أحلم بالكثير، فجلسةٌ حميميّةٌ متواضعةٌ مع من أحبّ تكفيني إلى حدّ الشّبع.


[size=32]
اللّوحة الثّانية
[/size]

ورقةٌ صفراء يابسةٌ نستها أمّها تقاوم الرّيح من غير ما جدوى، وشموعٌ صمّاء تحاول الإصغاء إليّ كي تشاركني ألمي.. بلا أملٍ! نمت تيجان الحبق قبل أن يأتي الرّبيع.. بكت تيجان الحبق حالما أتى الرّبيع.. وأنا ما برحت على شفير الحلم، خائفٌ منه ومنّي، أصغي لأنغامٍ شرق آسيويّةٍ، ولقرع طبولٍ… وحده البحر يعرف سرّ قهري، ومواطن ضعفي. عليّ الاعتراف بأنّي ما زلت قادرًا على الحبّ، ولكنّ الرّهبة من فقدانه منعتني عنه، وهجّرتني إلى غدٍ من هواءٍ. أتعبني يباس الرّوح، وأتعبني حبّ الحياة.. كم أحلم بقدرتي على الحلم، وكم آمل بقدرتي على الأمل كي أستطيع تجاوز هذا الفضاء إلى فضاءٍ خالٍ من الرّهبة! غابةٌ من دخانٍ، وقصائد حبٍّ بائسةٌ… ما نفع كلامٍ ما من سامعٍ له؟ وما نفع كتابةٍ ما من قارئٍ لها؟ وما نفع خلقٍ ما من مكافئٍ له، وحبٍّ ما من مريدٍ له، وأفكارٍ لا صدى لها، ولغةٍ ما من ناطقٍ بها؟ ذبلت تيجان الحبق…

ذبلت تيجان الحبق؛ فاستيقظت، ولم أجد سوى ظلال حلمٍ، وفتات أفكارٍ، وقليلٍ من ليلٍ فائتٍ، وصمتٍ. غضضت الطّرف عن كلّ شيءٍ، وأنصتّ إلى غضب العصافير الّتي أضجرها حنيني. نظرت عبر نافذتي تجاه أفقٍ ساخرٍ خسر أطيافه أمام صبحٍ من بخارٍ، فرأيت صورة نرجسٍ غيّر البرد ملامحها. اتّكأت على جحيمي، وعدت أدراجي إلى البيت، فلم يصل منّي سوى بعض أفكارٍ لا تصلح للكتابة.. ولا للحبّ. تعبت تيجان الحبق…



[size=32]اللّوحة الثّالثة [/size]


صيفٌ ماطرٌ وسماءٌ باهتةٌ فاقدة الوجه، وصباحٌ «خائر» الرغبة في أن يكون.. أصوات طيورٍ وأسراب سنونو غادرت… هل كبرت؟ ما كبرت، فما زالت رائحة المطر تذكّرني بشجرة الرّمّان في حديقة دارنا، وبخابيتنا ومذاق مائها في مساءات الصّيف. ما كبرت، فما زلت أبحث عن قمرٍ يغازلني ويداعب شهوتي الطّفليّة للّعب مع فراشات الرّبيع البيضاء، وما زلت أذكر شكل التّراب ولون عناقيد العنب وطعم الحنطة المسلوقة، وأرى محيّا ابنة الجيران وجدائلها وهي تركب درّاجتها الخضراء الصّغيرة. ما زلت أحاور البنفسجات، وأخاف ديدان الأرض، والعتمة والأموات والأشباح والغول في حكايات عمّتي، وأحسّ الضّربات الموجعة الّتي كالها لي إخوتي الكبار.. وأبي. ما كبرت، فما زلت أحلم بالحبق…

أرجاءٌ لزجةٌ شفّافةٌ لا تضاريس لها، ومستعمراتٌ عضويّةٌ من الأميبات المتحوّلة.. ليت للوقت وسعًا حتّى أستطيع التّمرّد على نظم الطّبيعة، فأصنع قلبًا قادرًا على النّبض من غير دورةٍ دمويّةٍ، وعصافير لا تأكل الفراشات، ورؤىً لا تشيخ… قرأت ثمانية أصفارٍ على يسراها سبعٌ وفاصلةٌ وثلاثة عشر وجسيماتٌ متجاذبةٌ وأحد عشر بعدًا وأوتارٌ كونيّةٌ وظلامٌ.. حاولت أن أغسل الأمس لأمحو هويّته، وأبدأ رحلةً أخرى صوب «كوانتيّة» رغبةٍ عصيّةٍ على الفهم، لعلّي ألقى مذاقًا لقهوتي الباردة، ولونًا لصباحي الرّماديّ، وأجوبةً لأسئلتي العائمة؛ فأستريح قبل أن أرى جسدًا يخون رأس صاحبه.
[size=32]
اللّوحة الرّابعة
[/size]

أطلّ من حيث لست، وأغادر بلا وجهٍ نحو «لوغاريتميّة» «أن أكون».. هذي ياسمينةٌ، وذلك سوسنٌ برّيٌّ، وفي الرّكن الشّماليّ شجيرتا رمّانٍ، وفي الوسط داليةٌ وباحة مدرسةٍ، ومقابل الإيوان حيث القاعة الكبرى على الجدار الأبيض الكلسيّ تتسلّق لبلابةٌ، وتلصّ نظرةً أو نظرتين إلى جارتنا «قرنفلة» وقت ما تستحمّ بعطر الأرز وتدلف إلى خلوتها الهادئة لتشرع حوارها السّرّيّ مع المرآة.. في غرفة النّوم منضدةٌ وكرسيٌّ مزخرفٌ وسريرٌ، وعلى المنضدة أدوات تجميلٍ وقصيدةٌ لم يضع أحدٌ عنوانًا لها، وبجانب الكرسيّ مجلّاتٌ ملوّنةٌ وثيابٌ داخليّةٌ جديدةٌ وجوارب نسائيّةٌ نظيفةٌ، وخلف السّرير صندوقٌ، وفي الصّندوق أسئلةٌ تبحث عن أجوبةٍ ومرآةٌ وأشياءٌ بريئةٌ.. وطيف ذاكرةٍ من الحبق…

حرٌّ، ونعاسٌ، ومجهولٌ، وشاطئٌ صخريٌّ، ومبانٍ صناعيّةٌ.. إيقاعٌ غجريٌّ، ورمالٌ، ورنين أساور، وأكياسٌ من الخيش.. لا ياسمينةٌ هناك، ولا سوسنٌ، وجارتنا تدعى «فاطمة»، ولا قاعةٌ كبرى مقابل الإيوان، وفي الدّار غرفةٌ واحدةٌ للمعيش والنّوم بآنٍ، من دون سريرٍ أو كراسٍ أو طاولاتٍ، وما من أحدٍ يكتب الشّعر.. في الخارج لا شمسٌ، بل شبه قمرٍ، ورذاذ ليلٍ، وسماءٌ زجاجيّةٌ معتمةٌ، وأوراقٌ من القصدير، ومدوّناتٌ من الإسمنت، وعلبٌ معدنيّةٌ فارغةٌ.. ورياحٌ…

[size=32]اللّوحة الأخيرة[/size]

مسافةٌ من ماءٍ، وبعدٌ… مشيت على خارطةٍ من الحلم، فغرقت في أملٍ هرمٍ لأنّي لست المسيح، ولأنّي للمرّة الأولى أدركت معنى الرّهبة، واكتشفت أنّي تأخّرت، وأنّ العمر لم يعد ينتظرني.. أربعة عشر طابقًا من العتمة، ورزمةٌ من الأبواب المقفلة، وغارٌ منيعٌ على الوحي.. نصوصٌ من حجرٍ، وأنبياءٌ، وهواجس… لا «لـٰه» لي، فأنا سرمدٌ من حبقٍ، وبساطة خبز تنّورٍ، و«أثيرٌ»… أمامي نسيجٌ من المطّاط، وحولي ليلٌ من الإسفنج وصرير أفكارٍ صدئةٍ، وعلى يمناي ظلٌّ يدهمه الظّلام، وعناكب يشغلها الشّتاء، وأسئلةٌ عن الفقر، وفي غرفة النّوم فراشٌ رطبٌ، ولا ضوءٌ، إنّما جوٌّ غريبٌ، ونسخةٌ مزوّرةٌ من الوصايا العشر، ولوحةٌ زيتيّةٌ لمريم المجدليّة، وأخرى لعائشة، وأبجديّةٌ من العدم.. خشبٌ مبلّلٌ، وقبوٌ، وفجرٌ أشرف على الطّلوع.. صورٌ من سرابٍ، وأيّامٌ بلا نسلٍ، وحلمٌ يرقد في ذاكرةٍ…

يبست تيجان الحبق…
[/size]