بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيِّئات أعمالنا، مَن يهدِ الله فهو المهتدي، ومَن يُضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحْدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].

﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70 - 71].

أمَّا بعدُ:
أيُّها الأحبَّة الكِرام، تكلَّمْنا في الجمعة الماضية مع حَضَراتكم عن الرُّكن الخامس من أركان الإيمان، وأمَّا اليوم فسنقف - إن شاء الله - عند الرُّكن السادس والأخير من هذه الأركان العظيمة، ألا وهو "الإيمان بالقَدَر؛ خيرِه وشرِّه".

وكما تعوَّدنا مع حَضَرَاتكم، فإنَّ حديثَنا إذا كان مُهِمًّا وحسَّاسًا، فإنَّنا نُدْرِجه ضمن محاور مختلفة؛ علَّنا نخرج من هذه الكلمات بذنبٍ مغفور، وعيب مستور، وعقيدة صافية.

التعريف بالقضاء والقدر، وما الفرق بينهما؟
فأوَّلُّ ما يجبُ على المؤمن معرفته من القضاء والقَدَر هو معرفةُ ماهيَّة كلِّ واحدٍ منهما، وما هو تعريفُه؟

فالقضاء: إيجاد الله - تعالى - الأشياءَ حسب عِلمه وإرادته.
والقَدَر: هو عِلم الله بما ستكون عليه المخلوقات في المستقبل.

وهذا تعريفٌ من تعريفات كثيرة عرَّفها العلماء.

فالإمام أحمد - رحمه الله - عرَّف القدر بتعريف مختصرٍ مُجملٍ، فقال: القَدَر: هو قُدرة الله[1].
حتى قال ابن القَيِّم في نونيَّته:
فَحَقِيقَةُ الْقَدَرِ الَّذِي حَارَ الْوَرَى
فِي شَأْنِهِ هُوَ قُدْرَةُ الرَّحْمَنِ
قَالَ الإِمَامُ شَفَى الْقُلُوبَ بِلَفْظَةٍ
ذَاتِ اخْتِصَارٍ وَهْيَ ذَاتُ بَيَانِ

ولكن الأقرب - والله أعلم - في تعريف القضاء: هو أنُّه عِلمُ الله السابقُ بالأشياء وكتابته لها، وأمَّا القدر فهو: وقوع هذه الأشياء وحصولها كما كتَبَ الله - تعالى.

وهذا ما دلَّتْ عليه آياتٌ كثيرة من القرآن الكريم وأحاديثُ صحيحة من سُنَّة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال - تعالى -: ﴿ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [مريم: 35].

فالقضاء كما هو واضحٌ من الآية الكريمة هو ما سَبَق القدر ووقوعه، وقال - تعالى -: ﴿ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾ [الأنفال: 44].

فقضاء الله - تعالى - هو عِلْمُه السابق بالأشياء وكتابته لها.

وقال - تعالى - في الآيات التي تُقَرِّر أنَّ القدرَ هو قدرةُ الرحمن الواقعة: ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ [الحجر: 21].

فذَكَر - تعالى - هنا أنَّ القدرَ السابق عند الله - تعالى - وفي عِلْمه إنما هو مُصاحِبٌ لنزوله ووقوعه، وغيرها من الآيات التي تدلُّ على أنَّ هذه التعريفات وغيرها ممَّا عَرَّفه علماء السلف الصالح كلها صحيحة متقارِبة - والله تعالى أعلم.

أهل المعاصي والقدر:
وإنَّ أهل الإيمان الصحيح والعقيدة السليمة هم وَسَطٌ في كلِّ الأمور، فعلى المؤمن أنْ يؤمِن بالقدر خيرِه وشرِّه، بهذا يكون من أهل الإيمان، وأمَّا مَن كَفَر بذلك أو أنكَرَ القَدر أو القَضاء، واعتَرَض على الله - تعالى - فإنَّه خارِجٌ من مِلَّة الإسلام.

وهذه هي عقيدة المؤمن الصالح، وهم وسَطٌ بين المُغالين في القَدر؛ فأهل المعاصي والموبقات يحتجُّون بالقدر في تبرير معاصيهم ومُنْكَراتهم، فساء فعلُهم هذا؛ إذ تشبَّهوا بالكفار من قَبْلِهم، الذين كانوا يحتجُّون بالقدر في كُفْرهم، وخاطَبَنا الله - تعالى - مُعْلِنًا ذاك في قرآنه فقال: ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾ [الأنعام: 148].

فقالوا: ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ ﴾؛ أي إنَّ كُفْرَنا ليس منَّا، وإنما بمشيئة الله وإرادته - تعالَى الله عمَّا يقولون عُلوًّا كبيرًا - لكنَّ الله - تعالى - فَجَأَهم بالردِّ في الآية الكريمة ردًّا صارمًا وصارخًا، مُحتويًا على أمرين مُهِمَّين:
الأول: أنَّ الله - تعالى - ذَكَر البأس والعقاب لِمَن قال هذا، فلو لَم يكونوا مُخَيَّرين لماذا أنزل الله بأسَه عليهم وعاقَبَهم؟

ثانيًا: أنَّ المحتجَّ بالقَدَر مُتَقوِّل على الله بغير عِلْمٍ ومُدَّعٍ لعِلْم الغيب؛ لأنَّ قدرَ الله غيبٌ لا يعلمه إلاَّ الله، فكيف يقول: إنَّ الله أرادَ هذا وهذا؟! مع العلم بأنَّ المأمور به هو تنفيذُ أمر الله، والسَّعي لطاعته، وطلب ثوابه ورِضاه.

واليوم تجد أهل المعصية يحتجُّون بالقَدَر على معصيتهم، فتكلِّم الواحدَ منهم عن الصلاة، عن الطاعة، عن الخير، عن الهداية، فيُجيبك: إنَّ الله لا يريد لي الهداية، ولو أراد لي الهداية لَهَداني؛ قال - تعالى -: ﴿ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: 28].

فهذا مثل قولِهم، فكيف يقول أحدهم: ﴿ وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾، هل عَلِم الغيبَ؟ أو هي مُبرِّرات صاغَها الشيطانُ، فغَمَسها في قلوبهم؟ وهل هناك قلبٌ أهْوَنُ للشيطان من قلوبهم؟

وللبُعد من التقوُّل على الله بحجَّة القضاء والقدر كَرِهَتِ الشريعة الإسلاميَّة البحث في القدر؛ لأنها من الأمور التي لا يُدْرِك العقلُ حقيقتَها.

فقد روى الإمام الترمذي أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - غَضِب غضبًا شديدًا عندما خَرَج على أصحابه يومًا وهم يتنازَعُون في القَدَر، حتى احمرَّ وجهُه، حتى كأنما فُقِئ في وجْنَتَيه الرُّمَّان، فقال: ((أبهذا أُمِرتُم، أم بهذا أُرسِلتُ إليكم؟ إنَّما هَلَك مَن كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمتُ عليكم ألاَّ تنازعوا فيه)).

واستجابَ الصحابة - رضوان الله عليهم - لعزيمة نبيِّهم وتوجيهه، فلم يُعرَف عن أحدٍ منهم أنَّه نازَع في القَدَر في حياة الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - أو بعد وفاته[2].

ولَمَّا سُئِل الإمام علي - رضِي الله عنه - عن القَدَر، فقال: بحر عميق فلا تَلِجْه، ثم سأله مرَّة أخرى فقال: طريق مُظلم، فلا تَسْلُكه، ثم سأله مرَّة أخرى فقال: سِرُّ الله، فلا تكلفه.

بل شدَّد الإمام الطحاوي في هذه المسألة أيَّما تشديدٍ، فقال: العلمُ عِلْمان؛ عِلْم في الْخَلق موجود، وعِلْم في الْخَلق مفقود، فإنكارُ العلم الموجود كُفْرٌ، وادِّعاء العلم المفقود كُفْرٌ، ولا يَثبتُ الإيمانُ إلا بقَبول العلمِ الموجود، وتَرْكِ طلب العلم المفقود.

الأسباب والقدَر:
ومن الذين غَالَوا في القَدَر المتواكِلُون الذين يقولون: إنَّ أعمالنا كلَّها مُقَدَّرة، ولا حاجة لنا بالقَدَر.

وأمَّا المؤمن فيعلم أنَّه مأمورٌ بالأخْذ بالأسباب مع التوكُّل على الله - تعالى - والآيات في الأخْذ بالأسباب كثيرة، كذلك الأحاديث النبويَّة، وحتى أفعال الصحابة؛ فهذا أبو عبيدة عامر بن الجرَّاح - رضِي الله عنه - اعْتَرَض على رجوع "عمر" بالناس عن دخول الشام عندما انتشر بها الطاعون، وقال لعمر بن الخطَّاب: "يا أمير المؤمنين، أفِرارًا من قدَر الله؟"، فقال عمر: "لو غيرُك قالَها يا أبا عبيدة، نعم، نَفِرُّ من قَدَرِ الله إلى قَدَرِ الله، أرأيتَ إنْ كان لك إبلٌ هبطتْ واديًا له عُدْوتان؛ إحداهما خَصيبة، والأخرى جَدْبة، أليس إنْ رعيت الخصبة بقَدَر الله، وإنْ رعيت الْجَدبة رعيْتها بقدَر الله؟"؛ صحيح البخاري.

ولَمَّا سُئِل نبيُّنا - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن الرُّقَى والأدوية: هل تَرُدُّ من قَدَر الله شيئًا؟ فأخبرهم أنها من قَدَر الله، فتَرْك الأخْذِ بالأسباب قَدْحٌ في الشريعة.

فالنبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ما خرَجَ مهاجرًا خوفًا من القتْل؛ لأنَّ الله قال له: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ [المائدة: 67].

فأعْلَمَه بعصْمَته من كُلِّ مكروه وسُوءٍ، لكنَّ هِجرتَه إثباتٌ لأمَّته وتعليمٌ لها بالأخْذِ بالأسباب، وأنها جزءٌ من الدِّين.

فكيف ينافي الأخذُ بالأسباب الإيمانَ بالقضاء والقدر؟ فكما أنَّ الإيمان بالقَدَر مأمور به، فالأخذ بالأسباب مأمورٌ به كذلك، بل هو من قَدَر الله - عز وجل - وهذا ما كان نبيُّنا وحبيبُنا - صلَّى الله عليه وسلَّم - يعلِّمه أصحابَه؛ لئلاَّ يتَّكِلوا؛ حيث روى مسلم في صحيحه عن علي - رضي الله عنه - قال: "كنَّا في جنازةٍ في بقيع الغَرقَد، فأتانا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقَعَد وقعدْنا حوله، ومعه مِخْصَرةٌ - عصًا صغيرة - فنكَّس - خفَضَ رأْسَه - فجعل ينكثُ بمِخْصَرته، ثم قال: ((ما منكم من أحدٍ، ما من نفسٍ منفوسة، إلا وقد كتَبَ الله مكانها من الجنَّة أو النار، وإلا قد كُتِبتْ شقيَّة أو سعيدة))، قال: فقال رجلٌ: يا رسول الله، أفلا نمكثُ على كتابنا، وندع العمل؟ فقال: ((مَن كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهلِ السعادة، ومَن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة))، فقال: ((اعملوا؛ فكلٌّ مُيَسَّر؛ أمَّا أهل السعادة فيُيَسَّرون لعمل أهل السعادة، وأمَّا أهل الشقاوة فيُيَسَّرون لعمل أهل الشقاوة))، ثم قرأ: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾ [الليل : 5 - 10].

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم؛ إنَّه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصَحْبه أجمعين.

وبعد:
أيُّها الأحبَّة الكِرام، إنَّ للعقيدة عمومًا والإيمان بالقَدَر خصوصًا أثرًا في حياة المسلم، فإنَّ الإيمان بهذا الرُّكن العظيم يُسْبِغ على النفس السكينة والطمأنينة، فتُورِث الشجاعة؛ فلا تخشى إذ ذاك إلا الله - تعالى - ولسان حاله يقول:
أَيُّ يَوْمَيَّ مِنَ الْمَوْتِ أَفِرْ
يَوْمَ لاَ قُدِّرَ أَوْ يَوْمَ قُدِرْ
يَوْمَ لاَ قُدِّرَ لاَ أَرْهَبُهُ
وَمِنَ الْمَقْدُورِ لاَ يُنْجِي الْحَذَرْ

فهل يَخْشى مَن هذا حاله وذاك لسانُه؟
وعندما أورثَتْ هذه النفْس الساكنة صاحبَها شجاعةً، فهي تزيد عليها بالرضا، فهل تجد هَمًّا لِمَن رَضِي؟ ولهذا أخبر المصطفى - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: ((عجبًا لأمر المؤمن، إن أمرَه كلَّه خيرٌ؛ إن أصابتْه سرَّاء شكَر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صبَرَ فكان خيرًا له)).

وهذا كله لا يتحقَّق إلا بعد أن يعلم المؤمن أنَّ الإيمان إنما هو تصديق بالْجَنان، وقولٌ باللسان، وعمل بالأركان.

اللهم اجعلْنا من المؤمنين بك، المتوكِّلين عليك، الراضين بقضائك، المؤمنين بقَدَرك، الداعين لدينك، الشاكرين لنِعَمك؛ إنَّك على كلِّ شيءٍ قدير، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين.

[1] - مجموع الفتاوى (8/ 308).
[2] - "العقيدة على ضوء الكتاب والسُّنة"؛ لعمر بن سليمان الأشقر.
منقول موقع الألوكة

هل توضح لي نظرة الإسلام للقضاء والقدر، وماذا يجب علي اعتقاده في هذا الشأن ؟.
الحمد لله

فالكلام على نظرة الإسلام للقضاء والقدر قد يطول قليلاً وحرصاً على الفائدة فسنبدأ بمختصر مهم في هذا الباب ثم نتبعه ببعض الشرح الذي يسمح به المقام سائلين الله النفع والقبول :

اعلم وفقك الله أن حقيقة الإيمان بالقضاء هي : التصديق الجازم بأن كل ما يقع في هذا الكون فهو بتقدير الله تعالى .

وأن الإيمان بالقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان وأنه لا يتم إيمان أحد إلا به ففي صحيح مسلم ( 8 ) عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه بلغه أن بعض الناس ينكر القدر فقال : " إذا لقيت هؤلاء فأخبرهم أني براء منهم وأنهم برآء مني ، والذي يحلف به عبد الله بن عمر ( أي : يحلف بالله ) لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا ثم أنفقه ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر"

ثم اعلم أن الإيمان بالقدر لا يصح حتى تؤمن بمراتب القدر الأربع وهي :

1) الإيمان بأن الله تعالى علم كل شيء جملة وتفصيلا من الأزل والقدم فلا يغيب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض .

2) الإيمان بأن الله كتب كل ذلك في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة .

3) الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة فلا يكون في هذا الكون شيء من الخير والشر إلا بمشيئته سبحانه .

4) الإيمان بأن جميع الكائنات مخلوقة لله فهو خالق الخلق وخالق صفاتهم وأفعالهم كما قال سبحانه : ( ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء ) الأنعام/102

ومن لوازم صحة الإيمان بالقدر أن تؤمن :

- بأن للعبد مشيئة واختياراً بها تتحقق أفعاله كما قال تعالى : ( لمن شاء منكم أن يستقيم ) التكوير/28 وقال : ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) البقرة/286

- وأن مشيئة العبد وقدرته غير خارجة عن قدرة الله ومشيئته فهو الذي منح العبد ذلك وجعله قادراً على التمييز والاختيار كما قال تعالى : ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين ) التكوير/29

- وأن القدر سر الله في خلقه فما بينه لنا علمناه وآمنا به وما غاب عنا سلمنا به وآمنا ، وألا ننازع الله في أفعاله وأحكامه بعقولنا القاصرة وأفهامنا الضعيفة بل نؤمن بعدل الله التام وحكمته البالغة وأنه لا يسأل عما يفعل سبحانه وبحمده .

وبعد فهذا مجمل اعتقاد السلف الصالح في هذا الباب العظيم وسنذكر فيما يلي تفصيلاً لبعض ما تقدم من القضايا فنقول سائلين الله العون والتسديد :

أولاً : معنى القضاء والقدر في اللغة :

القضاء لغة : هو إحكام الشيء وإتمام الأمر ، وأما القدر فهو في اللغة: بمعنى التقدير .

ثانيا : تعريف القضاء والقدر في الشرع :

القدَر : هو تقدير الله تعالى الأشياء في القِدَم ، وعلمه سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده وعلى صفات مخصوصة ، وكتابته سبحانه لذلك ، ومشيئته له ، ووقوعها على حسب ما قدرها ، وخَلْقُه لها .

ثالثاً : هل هناك فرق بين القضاء والقدر؟ :

من العلماء من فرق بينهما ، ولعل الأقرب أنه لا فرق بين ( القضاء ) و ( القدر ) في المعنى فكلٌ منهما يدل على معنى الآخر ، ولا يوجد دليل واضح في الكتاب والسنة يدل على التفريق بينهما ، وقد وقع الاتفاق على أن أحدهما يصح أن يطلق على الآخر ، مع ملاحظة أن لفظ القدر أكثر وروداً في نصوص الكتاب والسنة التي تدل على وجوب الإيمان بهذا الركن . والله أعلم .

رابعاً : منزلة الإيمان بالقدر من الدين :

الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة التي وردت في قوله صلى الله عليه وسلم عندما سأله جبريل عليه السلام عن الإيمان : " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره " رواه مسلم ( 8 ) وقد ورد ذكر القدر في القرآن في قوله تعالى : ( إنا كل شئ خلقناه بقدر ) القمر/49 . وقوله تعالى: ( وكان أمر الله قدرا مقدورا ) الأحزاب/38 .

خامساً : مراتب الإيمان بالقدر:

اعلم وفقك الله لرضاه أن الإيمان بالقدر لا يتم حتى تؤمن بهذه المراتب الأربع وهي :

أ ـ مرتبة العلم : وهي الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وأن الله قد علم جميع خلقه قبل أن يخلقهم ، وعلم ما هم عاملون بعلمه القديم وأدلة هذا كثيرة منها قوله تعالى : ( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ) الحشر/22 ، وقوله تعالى : ( وأن الله قد أحاط بكل شيء علما ) الطلاق/12 .

ب ـ مرتبة الكتابة : وهي الإيمان بأن الله كتب مقادير جميع الخلائق في اللوح المحفوظ . ودليل هذا قوله تعالى : ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) الحج/16 .

وقوله صلى الله عليه وسلم : " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن تخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة " رواه مسلم ( 2653 ) .

ج ـ مرتبة الإرادة والمشيئة : وهي الإيمان بأن كل ما يجري في هذا الكون فهو بمشيئة الله سبحانه وتعالى ؛ فما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، فلا يخرج عن إرادته شيء .

والدليل قوله تعالى : ( وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّه ُ) الكهف/23 ،24 وقوله تعالى : ( وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) التكوير/29 .

د ـ مرتبة الخلق : وهي الإيمان بأن الله تعالى خالق كل شيء ، ومن ذلك أفعال العباد ، فلا يقع في هذا الكون شيء إلا وهو خالقه ، لقوله تعالى: ( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) الزمر/62 . وقوله تعالى : ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون ) الصافات/96 .

وقوله صلى الله عليه وسلم : " إن الله يصنع كل صانع وصنعته " أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد( 25 ) وابن أبي عاصم في السنة ( 257و 358 ) وصححه الألباني في الصحيحة ( 1637) .

قال الشيح ابن سعدي ـ رحمه الله ـ : " إن الله كما أنه الذي خلقهم ـ أي الناس ـ ، فإنه خلق ما به يفعلون من قدرتهم وإرادتهم ؛ ثم هم فعلوا الأفعال المتنوعة : من طاعة ومعصية ، بقدرتهم وإرادتهم اللتين خلقها الله ) ( الدرة البهية شرح القصيدة التائية ص 18 )

التحذير من الخوض بالعقل في مسائل القدر :

الإيمان بالقدر هو المحك الحقيقي لمدى الإيمان بالله تعالى على الوجه الصحيح ، وهو الاختبار القوي لمدى معرفة الإنسان بربه تعالى ، وما يترتب على هذه المعرفة من يقين صادق بالله ، وبما يجب له من صفات الجلال والكمال ، وذلك لأن القدر فيه من التساؤلات والاستفهامات الكثيرة لمن أطلق لعقله المحدود العنان فيها ، وقد كثر الاختلاف حول القدر ، وتوسع الناس في الجدل والتأويل لآيات القرآن الواردة بذكره ، بل وأصبح أعداء الإسلام في كل زمن يثيرون البلبلة في عقيدة المسلمين عن طريق الكلام في القدر ، ودس الشبهات حوله ، ومن ثم أصبح لا يثبت على الإيمان الصحيح واليقين القاطع إلا من عرف الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا ، مسلِّماً الأمر لله ، مطمئن النفس ، واثقاً بربه تعالى ، فلا تجد الشكوك والشبهات إلى نفسه سبيلاً ، وهذا ولا شك أكبر دليل على أهمية الإيمان به من بين بقية الأركان . وأن العقل لا يمكنه الاستقلال بمعرفة القدر فالقدر سر الله في خلقه فما كشفه الله لنا في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم علمناه وصدقناه وآمنا به، وما سكت عنه ربنا آمنا به وبعدله التام وحكمته البالغة ، وأنه سبحانه لا يسأل عما يفعل ، وهم يسألون . والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه .

يراجع ( أعلام السنة المنشورة 147 ) ( القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة للشيخ الدكتور / عبد الرحمن المحمود ) و ( الإيمان بالقضاء والقدر للشيخ / محمد الحمد )