الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد:فإنّ أصـدق الحديث كتاب الله تعالى ،وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النّار .
عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه.....) .[ رواه أبو داود والترمذي والحاكم وصححه وأحمد بسند].
يستفاد من هذا الجزء من الحديث ،أن الحديث حجةٌ بنفسه ،لا يحتاجُ إلى غيره ليثبُتَ ،وذلك لعمـوم قوله عليه الصلاة والسلام :<< ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه >>وكان في موطن بيان ،فلو كان حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلمّ ـ لابدّ لأمر خارجي آخر حتى يُعمل به لَـبَيَّنَه ، وما دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا أمر به القرآن كذلك قال تعالى: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا }[الحشر7] ،إذا فكذلك دعانا المولى ـ عز وجل ـ في هذه الآية إلى قبول ما جاءنا على لسان نبيه ـ صلى الله عليه وسلمّ ـ ولم يجعل بعد هذا البيان للمسلم أي حجة يتحججُ بها لردّ حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلمّ ـ وكان في موطن يدعوا النّاس إلى إعمال السنن وتتبع آثار النبي ـ صلى الله عليه وسلمّ ـ وعلى هذا كان إجماعُ السلف ـ أي الصحابة رضوان الله عليهم ـ متى وصل إليهم خبر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلمّ ـ عملوا به ولم يلتفتوا إلى شيئٍ آخر ،والآثار في ذلك كثيرة جدا فبمجرّد ثبوت الخبر عندهم ، ينقادون إليه وفعلوا مثل ذلك مع كتاب الله عز وجل حيث كانوا يصلون إلى بيت المقدس[1] فجاء أحد الصحابة فأخبرهم أن قد نزل على محمد ـ صلى الله عليه وسلمّ ـ ـ كذا وكذا ـ فاستدار الجميع ،وانقادوا وكذلك كانوا مع هدي النبي صلى الله عليه وسلم .ولو كان الآمر من أُمِرْنا أن نقتدي به كأبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ فهذا عمر رضي الله عنه ينهى عن التطيب بعد الحلّ الأصغر ،فيثبت الخبر عن عائشة ـ رضي الله عنها وأرضاها ـ أنها طيبت النبي ـ صلى الله عليه وسلمّ ـ قبل طوافه بالبيت فينقاد عبد الله ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ لخبر عائشة ـ رضي الله عنها ـ مع علمه بما يفتي به والده ـ رضي الله تعالى عنهم أجمعين ـ ، فهذا إجماعٌ عند الصحابة على هذا الأصل ، ولهذا يقول الإمام الشافعي في رسالته :{وإذا ثبت عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلمّ ـ الشيئ فهو اللازم لجميع من عرفه ، لا يقويه ولا يوهنه شيئٌ غيره بل الفرض الذي على النّاس اتباعه ولم يجعل الله لأحد معه أمرا يخالف أمره }اهـ .
وقال أيضا بعد ذكر رجوع عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ عن دية الأصابع لحديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلمّ ـ الذي رواه عمرو بن حزمٍ :
"{وفي الحديث دلالتان :
أحدهما :قبول الخبر
والأخرى: أن يقبل الخبر في الوقت الذي يثبُتُ فيه ،وإن كان لم يمض عمَلٌ من الأئِمّةِ ،بمثل الخبر الذي قبلوا ودلالة على انه لو مضى أيضًا عَمَلٌ من أحد من الأئمّة ثم وُجد خبر عن النبي ـ صلى الله عليه وسلمّ ـ يُخالفُ عمله لترك عمله لخبر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلمّ ـ ، ودِلالة على أن حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلمّ ـ يثبُت بنفسه ، لا يعمل غيره بعده } "اهـ .
فنقول : من جعل غير القرآن سبيلا لرَدّ السنّة فهو من باب أولى في الرد عليه وإنكار فعلته .
وبالنسبة لكلام الشافعي رحمه الله يجب ان يحمل محملا سليماً فمقصده رحمه الله، إذا لم يوجد حديثا يعارضه [فيُعمل به ] أما في حال معارضة حديث آخر له ، فهذا شيئٌ آخر ـ فيجمع بين الحديثين ـ ما استطعنا إلى ذلك سبيلا ، وطرق الترجيح معروفة لدى أهل العلم .
ولابن حزم رحمه الله تعالى في هذا المقام كلام جميل جدّا في بيان وجوب الانقياد إلى خبر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلمّ ـ في كتابه أصول الاحكام :{ذهب أصحاب مالك: إلى أنه لا يجوز العمل بالخبر حتى يصحبه العمل.
قال علي: وهذا من أفسد قول وأشده سقوطا، فأول ذلك أن هذا العمل الذي يذكرون، قسألهم من سلف من الحنفيين، والشافعيين، وأصحاب الحديث من أصحابنا، منذ مائتي عام ونيف وأربعين عاما، عمل من هو هذا العمل الذي يذكرون ؟ فما عرفوا عمل من يريدون، ولا عجب أعجب من جهل قوم بمعنى قولهم، وشرح كلامهم.
وسنبين هذا بعد صدر من كلامنا في هذا الفصل إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق.
ويقال لمن قال: لا أقبل الخبر حتى يصحبه العمل، أللعمل أول أم لا أول له ؟ فإن قال: لا أول له، جاهر بالكذب ولحق بالدهرية، وإن قال: له أول، قيل له، وبالله تعالى التوفيق: يجب على قولك أن ذلك العمل الاول باطل لا يجوز اتباعه، لانه ابتدئ فيه بعمل بخبر لم يعمل به قبل ذلك، والخبر لا يجوز اتباعه حتى يعمل به، فهذا العمل قد وقع قبل أن يعمل بالخبر فهو باطل على حكمكم الفاسد المؤدي إلى الهذيان، وإلى ألا يصح عمل بخبر أبدا، وكفى سقوطا بقول أدى إلى ما لا يعقل، وكثير مما يقتحمون مثل هذا، كقولهم في معنى قول رسول الله (ـ صلى الله عليه وسلمّ ـ): البيعان بالخيار ما لم يتفرقا وكقولهم في أن الركعة الثانية من صلاة من يقضي صلاة أدرك منها ركعة مع الامام، هي قبل الاولى، والثالثة قبل الثانية، وهذا كما ترى لا يعقل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وإذا كان ما ذكروا من أنه لا يجوز أن يعمل بخبر حتى يعمل به قبل هذا العمل، وكان الخبر قد وجد وقتا من الدهر قبل أن يعمل له، فلا يجوز أن يصح العمل بخبر أبدا، وإذا كان ذلك فكل عمل بخبر من الاخبار فهو باطل، والباطل لا يصحح الحق، ولا يحقق الباطل، ولا يثبت به شئ.}اهـ
وقال رحمه الله [المصدر السابق] { ويقال لهم أيضا: أرأيتم الخبر المسند الصحيح قبل أن يعمل به، أحق هو أم باطل ؟ ولا بد من أحد هذين، فإن قالوا: حق، فسواء عمل به أو لم يعمل به، ولو لا يزيد الحق درجة في أنه حق أن يعمل به،، ولا يبطله أن يترك العمل به، أن أهل الارض كلهم أصفقوا على معصية محمد (صلى الله عليه وسلم) ما كان ذلك مسقطا لوجوب طاعته، وقد فعلوا ذلك في أول مبعثه (صلى الله عليه وسلم)، فما كان ذلك مبطلا لصحة قوله، ولو آمن به جميع أهل الارض وأطاعوه، ما زاد قوله عليه السلام منزلة في الصحة على ما كان عليه قبل أن يقبله أو يعمل به أحد من الناس، ونفسه ضر تارك العمل بالحق، ولم يضر الحق شيئا، وكذلك لو أصفق هل الارض كلهم على نبوة مسيلمة - لعنه الله - ما حققها ذلك، وإذا أجمعوا على الكفر به ما زاد ذلك في قوله في البطلان على ما كان عليه حين نطقه به.
وإن قالوا: الخبر باطل قبل العمل به، فالباطل لا يحققه العمل له، ولا يزيد الله بالعمل بالباطل إلا ضلالا وخزيا، فثبت بالبرهان الضروري أن لا معنى للعمل، ولا ينبغي أن يلتفت إليه ولا يعبأ به، وقد أصفق أهل الارض كلهم على العمل بشرائع الكفر قبل مبعث محمد (صلى الله عليه وسلم) فما صححها ذلك.
قال علي[يعني ابن حزم]: وهذه لفظة قذفها الشيطان في قلوبهم، وطرحها على ألسنتهم، وأيد ذلك الجهل والعصبية المردية، وبالله نستعيذ من البلاء وإياه نستعين على إدراك الصواب، وبالله تعالى التوفيق. }اهـ
وقال محدث الديار الشامية ومجددُ العصر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله ـ جوابا على سؤال بعض طلبة العلم المصريين :
[السؤال]:إذا كان الحديث في الكتب الحديثية غير المتداولة ولم يقل بموجبه أحد من الفقهاء ولم يذكروه في كُتبهم هل يكون هذا دليلا على نكارته ؟
الجواب : {لا يدل ذلك على نكارته ،وانا ذكرت في بعض الكتب والتخاريج ،بعض الأحاديث وقلت بأنه من الغريب أن كتب الفقه خَلَت من ذكر هذا الحديث أو الحكم الذي تضمنّه ، ولعـلّ من هذا القبيـل حديث النعمان بن بشير في التَّراصِّ ذكرتُ هذا في الصحيحة ـ أو غيرها ـ هذا لا يذكرونه في كتب الفقه لَصْقُ القَدَم بالقَدَمِ هذا مع كونه في صحيح البخاري ،من حديث أنس وفي سنن أبي داوود من حديث النّعمـان بن بشير ،فقد خلت كتب الفقه من فقه هذا الحديث ،فضلاً عن نص الحديث لذلك لا يدلُّ على النكارة إنما يدلّ على أنه خفي على المتقدمين ثم جرى على نسقِهِم المقلدون وهذا من شؤم التقليد وعدم الاستمرار على الخطّ الذي خطّه الأئِمّة الأولون كمثل من قال هذا الأخذ انقَطَعَ وبالتالي كان هذا من أسباب ضياع بعض الأحكام الشرعيّة ،من الكُتب الفقهيّة التقليديّة
..
قال الشيخ علي الحلبي [في نفس المجلس مستفسرا]: وَضُحَ الجواب لكن ما هو موضِعُ الكلمة التي تذكرونها عن الإمام أحمد وينقُلُهـا عنه ابن تيمية رحمه الله ، ويُؤَيِّدُهـا وهي قوله :<<إيّاك وكلّ مسألة ليس لك فيهـا إمـام >>؟}
قال الشيخ الألبانيّ مجيبا :
{نحنُ نقول :إذا جاء الحديثُ صحيحاً بشروطٍ معروفة في علم مصطلح الحديث فهُنا يأتي كلام الإمام الشافعيّ أنه يجب الأخذ بالسُنّة الصحيحة(ولو لم يقُل بـها أحدٌ )،[و]إذا كان الحديث (وأعني طبعا الحديث الصحيح)، يحتملُ وُجُوهاً من المعاني فحين إذن إذا ما اختار المُتأخرُ وجها من تلك الوُجوه ـ فلا بُد أن يكون له سلف ـ من الأئمّة ـ على هذا نحمِل كلام الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ } اهـ
أقول : وكذلك إذا سار المتقدمون على قولين في مسألة واحدة في هذه اعتمد على حديث فلا نقول يجب البقاء على أحد القولين من أقوال السلف، فللمتأخر أن يرجّح ولو جاء بقول خلاف القولين ، وهذا ما ذهب إليه الإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ صاحب المقولة المنقولة عنه سابقا ـ عندما تعـارضت عنده الأدلّة التي تأمُرُ بالصلاة مثل صلاة النبي ـ صلى الله عليه وسلّمَ ـ جالسا فأشار أن اجلسوا والحديث الذي ذكر انه صلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في آخر حياته جالسا وأصحابُه قيام فقال الإمام أحمد (جمعا بين النصين) :إذا ابتدأ جالسا جلسوا وإذا ابتدأ الصلاة قائما ثم طرأ عليه عُذر يبقوا قياما ،فهل هذا التفصيل قال به من تقدم الإمام أحمد ؟لم يقل به المتقدمون .

ـ فيجب إذا على من أراد أن يتكلّم في مثل هذه القضايا أن يكون مُلمّا وإلا يلجِم لسانه ؛ لأن هذه الكلمات (ليس عليه السلف )( ليس عليه السلف)! في هذا المجال قد استغلّهـا كثيرٌ من أهلِ الأهواء وأصحاب الفساد لإبعاد الشباب عن الحقّ ..
وشيخُ الإسلام رحمه الله ونحى نحوه كذلك الشيخ الألباني رحمه الله تعالى ، لما تعارض لديه حديث بُسره وحديثُ طلق ـ في مسّ الذكر ـ{ إنما هو بضعة منك }. [ رواه الخمسة وصححه ابن حبان] و{ من مس ذكره فليتوضأ } [رواه مالك والشافعي وأحمد وأبو داود والنساثي والترمذي والدارقطني والحاكم وصححوه وابن ماجه والطحاوي والدارمى أيضا والطيالسي والطبراني في " المعجم الصغير ) وغيرهم من طرق عن بسره مرفوعا . وصححه ايضا ابن معين والحازمي والبيهقي وغيرهم].
ماذا قال الإمام ابن تيمية ؟ فرّقَ بين الحديثين وهذا من باب الاستنباط قال : من مسه بشهوة توضأ ومن مسه من غير شهوة لا يتوضّأ .
ـ أما إذا اختلف السلف في حديث واحد هنا الواجب البقاء على ـ أحد القولين ـ وترجيح ما هو راجح ولا يسوغ للمتاخر ان ينشئ قولا ثالثا .

فالنتيجة :
1/إذا ثبت الحديث وجب العمل به ولو عمل النّاس خلافه

2/حديثُ واحد إذا اختلف فيه السلف الواجب أن لا نخرج عن احد القولين .
3/إذا كان الاختلاف لتعارض نصان هما لابد من المجيئ بقول آخر (إذا كان الأمر يقتضي إنشاء قول ثالثٍ ،على ان تكون الدلالة عليه واضحة ) فهذا لا يُعترض عليه بأن للسلف فيه قولان .. والله اعلم وسبانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .[من دروس الشيخ بكلية أصول الدّين بالخرّوبة الجزائر العاصمة ].

ـــــ
[1]وتمام الحديث : عن البراء بن عازب قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة أو سبعة عشر شهرا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يوجه إلى الكعبة فأنزل الله تعالى { قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام } فوجه نحو الكعبة وكان يحب ذلك فصلى رجل معه العصر ثم مر على قوم من الأنصار وهم ركوع في صلاة العصر نحو بيت المقدس فقال هو يشهد أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه قد وجه إلى الكعبة قال فانحرفوا وهم ركوع [الصحيحة]